العودة إلى القرويه

يحلم أهل القرى، في الغالب، بالسفر والاستقرار في المدن الكبيرة. تدفعهم إلى ذلك رغباتهم العميقة بالحصول على فرص وظيفية أفضل، ومن أجل أن يكتسبوا صفات مدنية غير موجودة في قراهم النائية. يبدو هذا التفكير طبيعيا ومنجسماً مع رغبة الإنسان في التطور والتحضر. فالمدنية الحديثة والمتجددة باستمرار ستوفر لهم مثل هذه الفرص. ولكن هذا لا ينطبق على حياتنا هنا. فعلى نحو غريب جدا ونادر تبدو القرى أكثر تحضراً وتطوراً من المدن.

دعونا لا نتحدث عن ناطحات السحب والأسواق الضخمة والمطاعم الفاخرة والقصور المبهرجة والأزياء الحديثة.فمن هذه الزاوية تبدو القرية في السعودية وكأنها تنتمي إلى مرحلة بعيدة.وفي الحقيقة كل النظرة السائدة لدينا لتقييم أهل القرى تنطلق من هذه الزاوية تحديداً. فهم يأكلون في منازلهم ،ويلبسون أزياء قديمة ،ويعيشون في منازل متواضعة. ولكن كل هذه ليس معياراً للتحضر إطلاقاً. خصوصا ،وأن كل هذه الاشياء التي يتفاخر بها أهل المدينة، من الأحذية الجلدية وحتى السيارات اللماعة، هي ليست من إنتاج أيديهم ولا من قيم ثقافتهم.

ولكن معيار التحضر الحقيقي هو المرتبط بالقيم الثقافية التي يؤمن بها الإنسان في داخله وليس البيتزا التي يأكلها أو الشماغ الذي يغطي رأسه. وإذا ماقمنا بمقارنة بين القروي والمدني في مجتمعنا، فإن القروي، وعلى عكس كل مكان آخر في العالم، سيتفوق على المدني. المدينة الواسعة والمتنوعة والحديثة من المفترض أن تنتج اشخاصا متعددين ومتسامحين ويحتضنون أفكاراً أكثر حداثة. على عكس القرية الصغيرة والنائية والمتأخرة التي تنتج شخصيات تفكر بطريقة منعزلة ومؤمنة بفرادتها ومجتمعها الصغير الذي لم ترَ غيره. ولكن كل ذلك انقلب لدينا هنا. مثلاً قضية علاقة الرجل بالمرأة. في القرى تبدو العلاقة أكثر طبيعية وإنسانية. في الحقيقة أنك تشعر أن القرى هي المكان الوحيد الذي يتم التعامل فيه مع المرأة كإنسان. كل ذلك لايتعارض أبداً مع القيم الدينية التي يلتزم بها أهل القرى، ولكنها قيم دينية تصدر من تفكير غير متشكك ومرتاب من هذه العلاقة التي دامت طبيعية ورائعة لعقود طويلة جدا. أما في مجتمع المدينة فإن العلاقة مشبوهة جدا، حتى بين الأقارب. العلاقة بين الرجل والمرأة تحركها طريقة تفكير متأخرة وغير إنسانية وتنطلق من القيم المتخلفة جدا والتي ترى في العلاقة هدفاً للوصول إلى أغراض جنسية. ومن المؤسف أن يحدث هذا حتى مع الأقارب ،ومع الرجال والنساء الذين تجاوزا السبعين. ففي القرى يمكن أن تقابل عجوزاً في السبعين، وتقبل رأسها، احتراماً وتقديراً. ولكن هذا التصرف يعتبر في المدنية تحرشاً.

قيادة المرأة للسيارة تثير جدلاً صاخباً في مجتمع المدينة الذي يجب أن يكون أكثر تحضراً في التعامل معها. حتى نقاش هذا القضية في المدينة يتحول إلى اتهامات وشتائم وتلطيخ سمعة. ولكن هذه القضية التي تعتبر متقدمة جداً على أهل المدينة تبدو قديمة جدا على أهل القرية. ففي قرى كثيرة داخل السعودية تبدو قيادة المرأة مسألة طبيعية ولا تثير أي شقاق أو اتهامات متبادلة. تقوم المرأة بقيادة سيارتها لتقوم بأعمالها، ويتقبل مجتمع القرية ذلك بطريقة راقية ومتحضرة.

في مجتمع القرية الصغير يظهر المسلمون بصورتهم الطيبة والمتسامحة مع الآخرين المختلفين معهم. هناك اعتزاز بدينهم، ولكنهم بذات الوقت يحترمون الآخرين وغير مهووسين بكراهيتهم، لا بالأفعال أو الأقوال. يبدو الاختلاف لديهم طبيعيا، ولا يثير أي قلاقل. ولكن داخل المدينة تنتشر ثقافة الكراهية ونبذ الآخرين، وهناك إصرار على تشويههم وإقصائهم. مجتمع القرية الصغير عميق الإيمان ولكنه غير مؤدلج ولا متعصب أو كاره على الرغم من انعزاله. على العكس من ذلك مجتمع المدينة الغارق في طريقة تفكير انتقائية ومتأخرة وغير متسامحة أبداً.

يمكن أن نرى الفرق واضحا أيضا في الفنون الشعبية، التي تمثل تراثنا الإيجابي والإنساني الذي نحبه. ففي مجتمع المدينة تم سحقها وشيطنتها ولكنها مازالت تحافظ على ألقها وروعتها في مجتمع القرى. عندما تحضر زواجاً في مدينة وقرية تعرف الفرق بين الأشخاص المتحضرين الذين أحبوا تراثهم الحقيقي وبين المتخلفين الذين سحقوه وحطموه بدعوى التحضر.

ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. بل ان المدينة تحاول أن تقوم بتشويه وتلطيخ قيم القرى الرائعة. وفي الحقيقة أنها قامت بذلك بالفعل. فأولاد القرى الذين يرجعون إلى قراهم وهم محملون بقيم المدينة المتخلفة ينجزون الجزء الأكبر من هذه المهمة.في أحدى القرى قام العائدون من المدينة بنقل القيم المتخلفة التي تحكم علاقة الرجال والنساء، وبعد أن كان الرجال والنساء في القرية يرتبطون بعلاقات أخوية وطيبة أصبح ينظر لهم وكأنهم مجرمون وشهوانيون. كذلك تم تصدير قيم التطرف والانغلاق والتعصب وتكريس العداء من المدن إلى القرى.

لحسن الحظ أن مثل هذه الأفكار المدنية المتخلفة لم تصل إلى كل القرى التي حافظ كثير منها على قيمها ،ولم تستطع إفساد الأخلاقيات الرائعة هناك. وبالرغم من سقوط وتشويه قيم قرى عديدة أصبح اهاليها يتحدثون بذات الطريقة المتعصبة والمهووسة التي يتحدث بها أهل المدينة، إلا أن هناك قرى كثيرة حافظت على جوهرها الإنساني والأخلاقي الرائع.

هناك أسباب كثيرة أدت إلى هذه المفارقة الغريبة لكن على أهل المدن الذين لطالما سخروا من أهل القرى وألفوا عليهم الدعابات أن يتعلموا منهم الآن القيم المتحضرة التي يحتاجونها. أكل البيتزا كل يوم لن يجعلك تحترم المرأة أو تتسامح مع المختلفين.

مبروك.. صارت عندك دولة

تتشكل الدول - ويتبلور مفهوم الدولة - من خلال إجراءين رئيسين:
الإجراء الأول: إعلان الدولة عن نفسها (كدولة)
والثاني: اعتراف بقية الدول بها بهذه الصفة.

يعني أنه بإمكان أي جهة - أو حتى فرد يملك مساحة كافية من التراب - إعلان دولته الخاصة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة اعتراف بقية الدول بها (كدولة)..
ورغم أن العالم يضم حالياً أكثر من 211دولة إلا أن هناك 170منها فقط تتمتع باعتراف رسمي كامل
الفرق بين "الرقمين" إما مقاطعات لا يعترف باستقلالها أحد (مثل غزة والشيشان) وإما دول خديجة لا تحظى بالاعتراف الكافي (مثل شمال قبرص، الذي لا تعترف به غير تركيا) وبين هؤلاء توجد كيانات ساذجة وحمقاء لا تثير اهتمام أحد، هي موضوع حديثنا اليوم
فحول العالم توجد جماعات وأفراد أعلنوا (من جهتهم) تشكيل دولهم الخاصة لأسباب مختلفة..

فهناك مثلاً الملياردير الأمريكي مايكل أوليفر الذي بنى في منتصف السبعينيات جزيرة خاصة أعلنها كدولة مستقلة (رغم دخولها ضمن الحدود البحرية لمملكة توجا

وخلال الحرب العالمية الثانية بنت بريطانيا سبع منصات بحرية (تشبة منصات التنقيب عن البترول) لإطلاق الصواريخ المضادة للطائرات وبعد انتهاء الحرب استولت مجموعة من المغامرين على أكبر المنصات وسكنوا فوقها واعلنوها دولة مستقلة باسم "سيلاند"!!

وفي عام 1969م أعلن مزارع يدعى ليونارد كازلي استقلاله عن استراليا وأعلن مزرعته "دولة مستقلة" جديته رفع علمه الخاص وطبع عملته المحلية ودعى نفسه "الأمير ليونارد" عام 1977م أعلن الحرب على استراليا ولكن الجيش الاسترالي لم يحضر فأعلن انتصاره في الصحف المحلية!
عام 1971م كانت كريستييانيا ثكنة عسكرية تابعة للجيش الدنمركي وحين غادرها الجيش احتلها حوالي ألف شاب من الفنانين والهيبيز والعاطلين عن العمل وأعلنوها دولة مستقلة!

وفي عام 1986م بنى رجل الاعمال الايطالي (جيورجو روز) مسطحا عائماً ضخما خارج المياه الإيطالية واعلنه دولة مستقلة.. وفي البداية تجاهلته الحكومة الإيطالية حتى أنشأ محطة راديو راح يهاجمها من خلاله فحاصرته قواتها البحرية وفجرت دولته العائمة إلى قطع صغيرة!!



... على أي حال.. أنا شخصياً لا أنصح أحداً ببناء دولته الخاصة (ولا يحتاج الأمر لتوضيح السبب).. ومع هذا أعرف قصيدة كتبها الشاعر أحمد مطر- من وحي عالمنا العربي - تصف كيفية فعل ذلك حيث يقول: أحضر سلة.. وضع فيها أربع تسعات

ضع صحفاً منحلة.. ضع مذياعاً.. ضع بوقا..
ضع طبلة.. ضع شمعاً أحمر..
ضع حبلاً وسكينا.. ضع قفلاً وتذكر قفله..
ضع كلباً يعقر بالجملة ويسبق ظله..
يلمح اللا أشياء ويسمع دبيب النملة..
ثم اخلط هذا كله وتأكد من غلق السلة..
ثم اسحب كرسياً وانفث سيجارا..
فقد صارت عندك دولة..

مملكة الإنسانية


علم مملكة الإنسانية


في جنوب بحر الصين وبالتحديد بين الفلبين وفيتنام هناك جزر تسمى سبراتلي (Spratly Islands) هذه الجزر يتنازع عليها كل من الصين، الفلبين، فيتنام، ماليزيا، بروناي وتايوان، وتكمن أهميتها في الموارد الطبيعية المتوفرة فيها، فهناك النفط والغاز والثروة السمكية.

في عام 1878م أعلن البحار البريطاني جيمس جورج ميدز نفسه ملكاً على مملكة سماها Humanity أي الإنسانية وسمى نفسه الملك جيمس الأول، واتخذ من جزر سبارتلي مكاناً لمملكته الصغيرة، وكان هدف المملكة هو إيواء الفقراء والمضطهدين في أوروبا وقد وصل عدد سكان المملكة إلى 2000 شخص في عام وفاة الملك 1888م.

ورث العرش ابنه الملك جورج الأول الذي تفاوض مع دول أخرى لتوفير حماية عسكرية للمملكة واستطاع أن يتفق مع إنجلترا لتوفير الحماية مقابل استخدام البحرية البريطانية لجزر المملكة.

بعد وفاة جورج الأول جاء فرانكلين الأول وفي عهده صمم علم المملكة المميز وافتتحت جامعة ووصل عدد السكان إلى 7000 نسمة، لكن هذا الرخاء والسلام لم يدم فقد كانت الجزر مهددة من قبل القراصنة، جاء الفرنسيون واحتلواها ثم جاء من بعدهم اليابانيون ففر الملك إلى أستراليا ومن بقي من الجنود في الجزر أعدموا، نحن نتحدث عن اليابان المحاربة، كان الجيش الياباني قاسياً على كل الشعوب التي احتل بلدانها.

جاء بعد فرانكلين الأول حفيده مورتون ميدز الذي اضطر لشراء بعض الجزر التي بيعت لأحد سلاطين الهند، وفي عام 1963م اتحدت هذه المملكة مع دويلة أخرى فأصبح اسمها جمهورية موراك سنوغهارتي ميدز - اسم صعب! - أو Morac-Songharti-Meads ترأسها كريستوفر شنايدر، من اسمه يمكن أن أخمن بأنه ألماني.

مورتون ميدز أصبح سفيراً للجمهورية في الأمم المتحدة، لكن كارثة حلت بالجمهورية الصغيرة في عام 1972م إذ غرقت سفينة كان تقل حكومة الجمهورية وهي في طريقها إلى نيويورك لعرض حالتهم في الأمم المتحدة، بعد هذه الكارثة تقاسمت دول الجوار هذه الجزر وانتهت مملكة الإنسانية.

إمارة سيلاند

صناعة هذه الدوله تبدأ من الحرب العالمية الثانية، حينما كان الناس حول العالم يقتلون بعضهم البعض، حرب ضاعت فيها ملايين الأرواح، حرب اندلعت بسبب عصبيات عرقية وأفكار غبية وأوهام مجد ضائع

كانت الدول تجهز كل أدوات الدفاع والهجوم وتستخدم أحدث التقنيات المتوفرة في تلك الأيام للتجسس ونقل الأخبار والمعلومات ومباغتة العدو، وقد بنت بعض الدول خطوط دفاع لا زال بعضها موجود حتى اليوم.

بريطانيا ولأنها جزيرة منفصلة عن أوروبا بنت خطوط دفاع في البحر مشكلة من قلاع بحرية، كل قلعة تحوي ما يلزم من مدافع رشاشة مضادة للطائرات ومؤونة تكفي لعشرات من الجنود، وقد بنت كل هذه القلاع في الساحل الشرقي والجنوب شرقي من بريطانيا وكلها بنيت في المياه الإقليمية التابعة لها ما عدى واحدة بنيت على بعد 7 أميال من الساحل أي في المياه الدولية.

بعد الحرب بسنوات تخلت بريطانيا عن هذه القلاع ولم يعد أحد يستخدمها، بعضها دمر وبعضها انهار في عواصف هوجاء وكثير منها بقت
شاهداً على حقبة مظلمة، تتآكل ببطئ ويزورها أفواج من السياح، أدوات الدمار في الماضي أصبحت اليوم مصدر دخل للبعض، من كان يظن أن قلاعاً من الإسمنت المسلح والحديد الصدأ يمكنها أن تكون معلماً سياحياً؟

القلعة البحرية التي بنيت خارج المياه الإقليمية لبريطانيا تسمى
HM Fort Roughs، شهدت هذه القلعة حدثاً لم يغير وجه التاريخ في عام 1967م حيث هبط على ظهرها بادي روي بايتس الذي كان يخدم الجيش البريطاني برتبة رائد ثم عمل في إذاعات مختلفة، إحداها كانت تبث من إحدى القلاع البحرية التي تقع ضمن حدود المياه الإقليمية لبريطانيا، هذا النوع من الإذاعات غير الرسمية يسمى pirate radio أو راديو القراصنة، وهي غير قانونية لأنها لا تتبع الإجراءات الرسمية للبث، ولا زال بعض الناس حول العالم يبثون إذاعاتهم الشخصية غير الرسمية بين حين وآخر فقط كهواية ممتعة لهم ومزعجة للسلطات.

السلطات البريطانية أوقفت إذاعة بادي فتحرك لاحتلال القلعة البحرية
HM Fort Roughs، وبعد أحداث صغيرة ومعركة مع أشخاص آخرين استخدمت فيها قنابل النفط والبعض يقول استخدمت المسدسات أيضاً استطاع بادي التحكم بالقلعة البحرية، لكنه لم يبث إذاعته من هناك لكنه أعلن أن هذه القلعة هي الآن إمارة سيلاند أو Principality of Sealand وسمى نفسه روي أمير سيلاند!

القصة لم تنتهي بعد، ففي عام 1978 حدث أمر مريع في أرض
سيلاند، حيث أدار رئيس الوزراء أليكساندر انقلاباً ضد أمير سيلاند واحتجز ابن الأمير كرهينة، شارك في الانقلاب عدد من الهولنديين والألمان، بعد أيام أطلق سراح ابن الأمير لكن الانقلابيين لا زالوا يتحكمون بالقلعة - أعني الإماراة، بادي لم يسكت ولم يجبن، ولنتذكر بأنه عسكري برتبة رائد، حمل السلاح واستخدم طائرة مروحية ليستعيد سيطرته على قاعدة الحديد الصدء التي تسمى إمارة سيلاند.

استطاع روي استعادة السيطرة على إمارته واحتجز الغزاة الانقلابيين واعتبرهم سجناء حرب! ألمانيا وهولندا طالبت حكومة بريطانيا بالتدخل لكن بريطانيا سبق لها أن تعاملت مع
سيلاند ورأت المحكمة أن قوانينها لا يمكن أن تطبق على ما يقع خارج حدود مياهها الإقليمية، لذلك أرسلت ألمانيا سفيرها في بريطانيا إلى سيلاند ليتفاوض مع روي ... الأمير!

بعد مفاوضات دامت لأسابيع أطلق بادي سجناء الحرب وعاد رئيس الوزراء الخائن إلى ألمانيا ليقيم هناك حكومة
سيلاند في المهجر!

جدير بالذكر أن إمارة
سيلاند هي الدولة الوحيدة التي لا تحوي أي جبال أو أنهار أو حتى صحاري، بل لا تحوي أي صخور أو تربة من أي نوع، كما أنها لا تحوي أي معالم سياحية أو أي شيء! هذا إن كان يمكن أن نسميها دولة.

من الناحية القانونية لا أحد يعترف بها، لذلك هي ليست دولة، لكن روي ومن معه يتعاملون بجدية كبيرة مع الموضوع تجعلني أبتسم كلما تذكرت هذه الدويلة الصغيرة، من يتصور أن قاعدة بحرية مهترئة تصبح
مكاناً لصراع وانقلاب وغزو ومهمات دبلوماسية؟!

وللتأكيد على جدية هذه الإمارة هناك علم وشعار ودستور! هناك عملة تسمى دولار
سيلاند وجواز سفر ونشيد وطني! بل ورياضيون يتنافسون في مسابقات باسم سيلاند! بادي روي جاد بالفعل.

السؤال، هل ستتعامل مع
سيلاند بجدية على أنها دولة ذات سيادة تامة أم أنك من الفريق الذي يظن أنها مجرد نكتة طويلة الأمد؟ شخصياً لست من هؤلاء ولا من هؤلاء.

وبالمناسبة،
سيلاند معروضة للبيع حيث أن أميرها يعيش في إسبانيا وابن الأمير في بريطانيا

الدول الصغيرة جداً Micronation

لإنشاء دولة افضل طريقه هي القراءة عن تجارب السابقين، خاض بعض الأفراد حول العالم تجربة إنشاء دولهم، بعضهم كان جاداً وبعضهم فعل ذلك كمشروع مسلي وهواية غريبة لا أكثر، بعضهم نجح في الحصول على أرض حتى لو لم يعترف بها أحد وبعضهم اكتفى بأن يجعل دولته افتراضية، شيء موجود فقط في مخيلته أو في الشبكة

هذه الدول تسمى Micronation، دول صغيرة جداً، قد يصدر أصحاب هذه الدول جوازات وطوابع وعملات، قد ينضم لها المئات والآلاف، قد يدعي أصحابها أنهم يملكون قطعة من الأرض أقاموا عليها دولتهم، قد يصممون علماً وشعاراً نشيداً وطنياً، مع كل هذا فلا أحد يعترف بهم وبالتالي هذه مجرد دول ألعاب وتسلية لا أكثر، وإن كان بعض من حاول إنشاء هذه الدول جاداً في مسعاه، من الصعب أن تجد من يأخذ هذه المحاولات بجدية

في سلسلة مواضيع سأتحدث عن مجموعة من هذه الدول الصغيرة جداً.

جنة الضرائب

لعلك سمعت يوماً أو قرأت عن دول تعتبر جنة للضرائب، فماذا يعني هذا؟ هذا المصطلح هو ترجمة Tax Haven بالإنجليزية، وهو صفة تطلق على بعض الدول التي لا تفرض أي ضرائب أو ضرائبها منخفضة جداً، أضف إلى ذلك أن هذه الدول قد تعتمد في دخلها على المعاملات المالية ولذلك لديها قوانين سرية التعاملات المالية وسرية الأرضدة في البنوك.

هذا يجعلها مكاناً مناسباً للإقامة والسياحة، فالأغنياء يهربون من الضرائب في دولهم ليعيشوا بدون أن تصغر جيوبهم في جنات الضرائب، والناس العاديون يجدون هذه الأماكن مناسبة لأنها لا تكلفهم الكثير، وكذلك الشركات تجد في هذه الدول مكاناً مناسباً، الكل يربح هنا، الدولة والناس والشركات.

لكن ... وهناك دائماً لكن، بعض هذه الدول تورط في فضائح مالية كبيرة، بعضها يتستر أو يبسط عملية غسيل الأموال، وبسبب هذه الفضائح اضطرت بعض الدول لكشف بيانات العملاء المتورطين مما أدى إلى فقدان ثقة الناس بهذه البلدان.

ستلاحظ أن أكثر جنات الضرائب ما هي إلا دول صغيرة متناثرة في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ وبعض الدول الصغيرة في أوروبا.

ما هي الجغرافيا؟

ما هو مفهومك للجغرافيا؟ إن كنت تظن أنها دول ومساحات وأرقام فأنت مخطأ، إن كنت تظن أنها حقائق باردة تحفظ فأنت مخطأ، هذا المفهوم اكتسبناه من المدرسة، اترك المدرسة خلفك، نحن هنا في العالم الحقيقي، حيث التعلم أكثر عمقاً وفائدة وتأثيراً.

الجغرافيا هي ثقافة المكان، الناس يختلفون بحسب اختلاف أماكن عيشهم، من يعيش في الجبال يكون قوي الجسم وخصوصاً القدمين لأنه يحتاج لهذه القوة للصعود والنزول، أهل الصحراء يتحملون حرها وأهل المناطق الباردة تأقلموا مع البرد القارص، من يعيش بجانب البحر يتعلم فنون الصيد والسباحة لأن المجتمع حوله يفرض عليه ذلك، وربما يعمل في مجال بحري لكي يكسب رزقه.

الأماكن تؤثر علينا، فهي تفرض علينا عادات اجتماعية تفرضها الظروف، الطعام يختلف من مكان إلى آخر، اللغة تختلف، كل مكان له قصة، وكل قصة فيها أناس عاشوا أحداثها.

الجغرافيا متعلقة بكل شيء حولك، بالتاريخ والعادات والثقافة والأدب والسياحة، عندما تسافر فلا تكتفي بأن تزور الأماكن السياحية الجميلة، زر تلك الأماكن التي لا يذهب لها السياح حتى لو كانت قذرة، تحدث مع الناس فإن لم تفعل فكأنك ما سافرت ولا شاهدت شيئاً.

الجغرافيا بالنسبة لي هي أن شعور طفل اكتشف شيئاً جديداً فلم يستطع البقاء في مكانه ولا استطاع الحديث ليعبر عن شعوره ... هذه هي الجغرافيا.